عبد الوهاب الشعراني

23

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

خارجة عن طور العقول مجيئها بغتة من غير نقل ونظر ومن غير طريق العقل ، فتنكرت على الناس من حيث طريقها فأنكروها وجهلوها ، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهلها ضرورة لاعتقاده فسادها وفساد عقائد أهلها ، وغاب عنه أن الإنكار من الوجود والعاقل يجب عليه أن يغير منكرا أنكره ليخرج عن طور الجحود . فإن الأولياء والعلماء العاملين قد جلسوا مع اللّه عزّ وجل على حقيقة التصديق والصدق والتسليم والإخلاص والوفاء بالعهود ، وعلى مراقبة الأنفاس مع اللّه عزّ وجل حتى سلموا قيادهم إليه وألقوا نفوسهم سلما بين يديه وتركوا الانتصار لنفوسهم في وقت من الأوقات حياء من ربوبية ربهم عزّ وجل واكتفاء بقيوميته عليهم ، فقام لهم بما يقومون لأنفسهم بل أعظم وكان تعالى هو المحارب عنهم لمن حاربهم والغالب لمن غالبهم . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ولما علم اللّه عزّ وجل ما سيقال في هذه الطائفة على حسب ما سبق به العلم القديم بدأ سبحانه وتعالى بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء فنسبوا إليه زوجة وولدا وفقرا وجعلوه مغلول اليدين فإذا ضاق ذرع الولي أو الصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر وزندقة وسحر وجنون وغير ذلك ، نادته هواتف الحق في سره : الذي قيل فيك هو وصنفك الأصلي لولا فضلي عليك أما ترى إخوتك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي ونسبوا إلى ما لا ينبغي لي فإن لم ينشرح لما قيل فيه بل انقبض نادته هواتف الحق أيضا أما لك بي أسوة فقد قيل في ما لا يليق بجلالي وقيل في حبيبي محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي إخوانه من الأنبياء والرسل ما لا يليق بمرتبهم ، من السحر والجنون وأنهم لا يريدون بدعائهم إلا الرياسة والتفضيل عليهم . فانظر يا أخي مداواة الحق جل وعلا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حين ضاق صدره من قول الكفار قال اللّه تعالى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » فيجب عليك أيها الولي الاقتداء برسولك صلى اللّه عليه وسلم في ذلك إذ هو طب إلهي ودواء رباني ، وهو مزيل لضيق الصدر الحاصل من أقوال الأغيار ، أهل الإنكار والاغترار ، وذلك لأن التسبيح هو تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق بكماله بالثناء عليه تعالى بالأمور السلبية ونفي النقائص عن الجانب الإلهي كالتشبيه والتحديد ، .

--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 98 ، 99 .